غياب المعايير وغلبة الأهواء في اختيار المذيعين

منذ نشوء الإعلام المصري، كانت هناك معايير واضحة في اختيار المذيعين الذين يطلون على جمهورهم عبر الشاشة أو الميكروفون. تلك المعايير، التي كانت تتسم بالاحترافية، شملت اختبارات وتصفيات لاختيار الأفراد المتمكنين من ناصية اللغة، القادرين على التفاعل بثقافة واسعة، وذوي ذكاء سريع وبديهة قوية، مع القدرة على الثبات الانفعالي واللباقة اللغوية. وقد أفرزت هذه التقاليد المهنية أجيالاً من المذيعين ومقدمي البرامج الذين لا يزال الجمهور يتذكرهم وبرامجهم حتى اليوم.
لكن مع انطلاق القنوات الفضائية الخاصة، تغيّر الوضع تمامًا. فقد تخلت تلك القنوات عن المعايير المهنية التي كانت سائدة، وظهرت معايير جديدة، تتيح لأشخاص لا يملكون الحد الأدنى من المهارات والخبرة الظهور على الهواء. لم يعد الأمر مقتصرًا على الكفاءات المهنية، بل تحول إلى مسألة يمكن شراءها بالمال. فقد أصبح بإمكان أي شخص دفع أموال لشراء وقت على القنوات الفضائية، ليصبح مذيعًا في أي وقت شاء، وعلى أي قناة اختارها.
أدى هذا التحول إلى كارثة حقيقية في الإعلام المصري، حيث سادت حالة من الفوضى الإعلامية بسبب غياب النقابة المهنية التي يمكنها الدفاع عن قواعد المهنة وحمايتها. كما يضاف إلى ذلك غياب التشريعات القانونية التي تنظم عمل المذيعين وتضع ضوابط واضحة للمهنة.
تعود مهنة الإذاعة إلى عام 1934، عندما ظهر أول مذيع عبر الإذاعة المصرية ليقول النداء التاريخي "هنا القاهرة". إلا أن الوضع الحالي يعكس حالة من الفوضى الإعلامية، حيث أصبحت الساحة الإعلامية مستباحة تمامًا لمن يمتلك المال ويرغب في الظهور على الهواء، دون الالتزام بأي معايير أو ضوابط، بل وفقًا للأهواء الشخصية.
إن هذه الفوضى لا تؤثر فقط على مستوى المهنية في الإعلام، بل تهدد أيضًا سمعة الإعلام المصري الذي كان يومًا من الأيام رائدًا في المنطقة.
كاتب المقال: د. مصطفي عبد الوهاب وكيل وزارة بالهيئة الوطنية للإعلام واحد كبار الاعلاميين في التليفزيون المصري